حميمد ابراهبم

قصَّة مُوسَى (عليه السلام) في مختلف مراحله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قصَّة مُوسَى (عليه السلام) في مختلف مراحله

مُساهمة  Admin في الإثنين يوليو 25, 2016 8:28 am

قصَّة مُوسَى (عليه السلام) في مختلف مراحله
يُلاحظ أنّ السورة المباركة «طه» تتضمّن قصتين :
إحداهما ، هي قصة موسى (عليه السلام) في مادّة جديدة بالإضافة إلى مواد اُخرى
تكرّرت و تتكرّر في أقاصيص لها سياقها الخاص ممّا تحدّثنا عنه و نتحدّث لاحقاً .
و أمّا القصة الثانية ، فهي قصة آدم (عليه السلام) حيث تنطوي بدورها على مادّة جديدة
من المحاورات بالإضافة إلى ما يتكرّر جديداً في سياق خاص .
المهم نبدأ فنتحدث أوّلا عن قصة موسى (عليه السلام) :
في أحاديثنا عن قصص موسى (عليه السلام) لم نتناول إلاّ شريحتين من حياته هما :
زمن الرسالة و ما بعدها .
هنا في سورة «طه» و مايليها نواجه شطراً ثالثاً من حياته ألا و هو : زمن ما قبل الرسالة ، أي الأحداث و المواقف التي واكبت حياته قبل اضطلاعهِ بالرسالة .
طبيعيّاً ، لم تُصَغ هذه القصص بنحو يُفرز الأدوارَ الثلاثة من حياة موسى بعضها عن الآخر بِقَدر ما نجدها متداخلة . كلّ ما في الأمر أنّ كلّ سورة تنهض بسردِ هذا الدور أو ذاك حسب السياق الذي يستهدفه النصُّ القرآنيُّ الكريم ، حيث تُضيف موقفاً أو حَدَثاً جديداً ، أو تختزلهما في نصّ دون آخر .
و في سورة «طه» نواجه الشطر الأوّل من حياة موسى (عليه السلام) ، حياته قبل النهوض برسالة السماء ، متمثلةً في حدَثين أو واقعتين من الوقائع التي تجسّد هذه الفترة
الزمنية من حياته .
و هاتان الواقعتان هما : واقعة إلقائه في التابوت و واقعة بحثه عن النار ، مع إشارة عابرة لَحَدَثين آخرين هما : قتله لأحد الآدميين ، و لبثه في مدين .
بيد أنّ القصة لا تتحدّث بكلّ تفصيلات الواقعة ، بقدر ما تقتصر على بعضها ، حيث تُواصل ربطها بالشطرين الآخرين من حياته ، أي زمن الرسالة و ما بعدها .
و يعنينا الآن أن نتناول تينك الواقعتين الرئيستين و الطرائقَ الفنّية لصياغتهما .
* * *
من الحقائق الفنّية التي طالما أشرنا إليها ، أنّ قصّ الحوادث لا يأخذ منحىً واحداً من العَرْض . فقد تُسرد الحوادث وفقَ تسلسلِها الزمني ، لسياق يستتبعُ مثل هذا التسلسل .
و قد يستدعي السياقُ تقطيع الزمن دون إخضاعه للتسلسل ، بل إخضاعه للزمان النفسي بدلا من الزمان الموضوعي .
هنا في سورة «طه» من حيث البناءُ الفنّي للقصة بدأ النصُّ بواقعة البحث عن النار ، ثمّ اردفَها بواقعة إلقاء موسى (عليه السلام) في التابوت .
و واضحٌ أنّ البحث عن النار يُشكّل آخر واقعة من حياته الاُولى ، في حين أنّ إلقاءه في التابوت يُشكّل أوّل وقائع حياته .
لكنّ النصّ مثلما قلنا بَدأ بقصّ اُخريات حياته ، ثمّ ارتدّ بالقصة إلى أحداثها المبكّرة .
لقد بدأت القصةُ على النحو الآتي :
﴿وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾
﴿إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لأَِهْلِهِ : امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً ﴾
﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَس أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾
بعد هذه البداية القصصية واصلَ النصّ حديثَه عن موسى (عليه السلام) وفق تسلسل زمني هو : تكليمُ موسى (عليه السلام) ، و إصدار الأمر إليه بالذهاب إلى فرعون .
إلى هنا فإنّ القصة تأخذ تسلسلها الزمني . . .
لكنّ النص يقطع سلسلة الأحداث ، و يرتدّ بنا إلى أحداث ما قبل البحث عن النار ، إلى الأحداث الاُولى من حياة موسى (عليه السلام) أحداث إلقائه في التابوت مع إشارة عابرة إلى نجاته من اليم ، و قتلهِ للنفس ، و لبثهِ في مَدين .
ثمّ يعود النصّ من جديد إلى النقطة التي قَطَعها و يواصلُ سردَ الأحداثِ المتصلة بموسى (عليه السلام) و علاقته بفرعون .
إنّ هذا التقطيعَ لأجزاء القصة ، و كسر وحدتِها الزمنيةِ من خلال الاسترجاع و الاستباق ينطوي على أسرار فنّية يتعيّن الوقوف عندها ، لملاحظة الصلة بين أهداف القصة و طرائق صياغتها .
* * *
لقد بدأت القصةُ من حيث خُتمت حياةٌ عاديةٌ لموسى (عليه السلام) حياةٌ يحياها سائرُ البشر دون أن يُوشّحها حادثٌ خطيرٌ له تميّزه العبادي .
و بالرغم من أنّ طفولة موسى (عليه السلام) قد اقترنت مع واقعة التابوت الذي سنتعرّض لتفصيلاتها بعد قليل . . . بالرغم من هذه الواقعة التي يُوشّحها المعجز ، وبعض الحوادث أو المواقف المرتبطه بعصاه وسواها إلاّ أنّ حياة موسى (عليه السلام) مضت في حركتها العادية لحين انتهائها بواقعة البحث عن النار . و هي الواقعةُ التي بدأت القصةُ بها .
و تتمثل بساطةُ أو عاديةُ هذه الواقعة التي خُتمت بها حياةُ موسى (عليه السلام) في اصطحابه إمرأته ـ بعد أن غادر مَدْيَن ـ حيث جاءها الطلق ، و حيث احتاج إلى النار للتدفئة أو للاستدلال بها على الطريق ، بعد أن كانت الرحلة في ليل مظلم أضلّ موسى (عليه السلام)فيها الطريق .
هذه الواقعة المتّسمة بما هو عاديّ و مألوفٌ من حياة البشر ، قد خُتمت بها حياةُ موسى (عليه السلام) في شطرها الأوّل ، لكنّما قد بُدئ بها في القصة ، لتكون فصلا بين حياة عادية و حياة خطيرة تنتظر موسى (عليه السلام) ، ألا و هي : حياة النهوض بمهمة لرسالة .
و فعلا ما أن بدأ النصُّ بسرد واقعة البحث عن النار ، حتى وَصَلَها بحادثة التكليم : تكليم السماء لموسى :
﴿فَلَمّا أَتاها ]أي : النار التي يبحث عنها[ نُودِيَ : يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ . . .﴾
إذن خُتمت حياهٌ عاديةٌ ، و بدأت حياة خطيرة من خلال حادثة البحث عن النار .
هذه الخاتمةُ خاتمةُ حياة عادية و هذه البدايةُ بدايةُ حياة خطيرة ينبغي أن نضعها في الاعتبار و نحن نتناول نصاً فنّياً يتحدّث بِلُغةِ القصة عن شخصيّة موسى (عليه السلام) ، حيث تجيء صياغة هذه الخاتمة و هذه البداية من الحياة ، بدايةً قصصيةً لها دلالتها الفنّية في السرد القصصي .
هذه البداية القصصيةُ إذن لها مغزاها الفنّي مادامت تُحسسُنا بأنـّنا حيالَ عهد جديد له خطورته التي ما بعدها من خطورة ، ألا و هي : الاضطلاع برسالة السماء .
إنّها حين تبدأ بما هو خاتمة لحياة عادية ، إنّما تُلفت أنظارنا إلى ما هو إعلانٌ لحياة غير عادية .
و ممّا لا شك فيه ، أنّ حادثة النهوض بالرسالة كان من الممكن أن تجيء هي البداية القصصية مادامت تشكّل أهمّ حادث في رحلة الكائن الآدمي . إلاّ أنّ سَبْقَها بحادثة البحث عن النار أكسبَ القصة بُعداً فنّياً له خطورته ، حيث افصحت هذه البدايةُ عن انتهاء المرحلة العادية من حياة موسى ، و حيث أفصحت ـ و هذا بُعدٌ فنيٌ آخر ـ عن أنّ معطيات السماء التي لا حدودَ لها قد استثمرت نشاطاً عادياً ـ من حيث مستواه العبادي ـ لتهيّئ للشخصية نشاطاً غير اعتيادي مادامت الشخصيةُ المذكورة قد التزمت بمبادئ السماء في سلوكها المألوف ، و منه : العنايةُ بكائن آخر من خلال البحث عن النار لأهله .
لقد بدأت قصة موسى (عليه السلام) بواقعة البحث عن النار ، حيث أوضحنا أهمية مثل هذه البداية القصصية التي تمثّل خاتمةً لحياة عادية ، و بدايةً لحياة جديدة أوكلتها السماء إلى موسى (عليه السلام)ليضطلع بمهمّة الرسالة .
و ها هي الحياة الجديدة ترسمها القصةُ لنا على النحو الآتي :
﴿فَلَمّا أَتاها ]أي : النار[ نُودِيَ : يا مُوسى﴾
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾
﴿وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾
﴿إِنَّنِي أَنَا اللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾
﴿إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْس بِما تَسْعى﴾
﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾
لقد ذَهَبَ موسى باحثاً عن النار بُغية الدفءِ لأهله ، و بغية الاهتداء بها عندما ضلّ طريقة .
و لم يدُر بخلَدِه أنّ هذه الرحلةَ نحو الدفء و الاضاءة ستفاجئُه بحَدَث خطير كلّ الخطورة ، حيث تعوّضه عن الدفء و الاضاءة الفرديتين بدفء و إضاءة اجتماعيتين يضطلع من خلالهما بأكبر مهمّة خلافية على الأرض ، في حينه قد اختارتها السماء لصفوة من البشر ، هم : الأنبياء و الرسل .
هذه المهمّة العباديّة قد أوكلتها السماءُ لموسى على نحو له خطورته الكبيرة أيضاً من حيث طريقة الإيكال ، فيما تحدّثت السماء مباشرةً مع موسى و كلّمته تكليماً دون واسطة .
و تقول النصوص المفسّرة : إنّ النداء قد سُمِعَ من الشجرة التي كان قد توجّه نحوها عبر بحثه عن النار ، و إنّ النار كانت تتوقّد أعلى الشجرة ، فيما يُسمَعُ أيضاً تسبيحُ الملائكة ، و فيما يُرى نورٌ عظيمٌ . . . و تُضيف بعض النصوص المفسّرة ، إلى أنّ الخُضرةَ لم تكن لتطفِئَ النارَ ، و لا النار لِتطفئ الخضرة . . . حيث تساهم مثلُ هذه البيئة المعجزة في ترسيخ اليقين لدى موسى بحقيقة الموقف المفاجئ .
هذه البيئةُ الإعجازيةُ : النورُ ، الخُضرةُ ، تسبيحُ الملائكة ، . . . إلى آخره ، قد أردفها النصّ ببيئة معجزة نسجَتها السماء من ممتلكات موسى نفسِه . . . من أشيائه التي يصحبُها ، بل من الأشياء التي لم يتوقّع أن تكون بصُحبته . . . من الأشياء التي لم يتوقّع أنها كانت من ممتلكاته . . .
إنّها : العصا ، و اليد . . .
و لكن أيّة عصا ؟ و أيّة يد ؟
لِنقرأ النصّ القصصي :
﴿وَ ما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾
﴿قالَ : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها﴾
﴿وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾
﴿وَ لِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾
﴿قالَ : أَلْقِها يا مُوسى﴾
﴿فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾
﴿قالَ : خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأُْولى﴾
﴿وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء آيَةً أُخْرى﴾
إنّ النور ، و الخضرةَ ، و تسبيح الملائكة ، و العصا . . . و قد انقلبت حيةً تسعى . . .
ثمّ اليد و قد أضاءت مثل الشمس أو القمر أو أشدّ إضاءةً . . . مُضافاً إلى نداء السماء ذاتها و ما يحفّ به من رهبة و جلال . . . كلّ ذلك يُشكّل بيئةً قصصيّة مشحونةً بعناصر الجمال المُدهش ، و المُثير ، و المُعجز . . . فيما يتحسّسها المُتلقّي بوضوح ، حيث تُشيع فيه أحاسيسَ الجمال و الفنّ . . . في ذات الآن الذي تُشيع فيه مشاعرُ الجلال و الرهبة . . . و في ذات الآن الذي ترفده بأفكار و قيم و معان عن الحياة و وظيفتها العبادية ، و دعم السماء لأوليائها . . . إلى آخره .
إنّ هذه البيئةَ القصصيّة تزداد نصوعاً في أذهاننا حينما تمدّنا التفاسيرُ المأثورةُ بمزيد من التفاصيل عنها ، حيث اختزلها النص و ترك للمُتلقّي بأن يمارس عملية الكشف بنفسه ، لِيُثري بذلك عُنصر الإمتاع الفنّي لديه .
إنّ عنصر الإمتاع الفنّي نتحسّسه بوضوح في تفصيلات البيئة القصصيّة المذكورة بأكملها . . .
فالعصا مثلا تقول القصةُ عنها : إنّها كانت مُتوَكّئاً يعتمد عليه موسى في مشيه .
كما كانت وسيلةً يخبط بها ورق الشجر لِترعاه غَنَمُهُ . فضلا عن إنّها كانت وسيلةً يعتمد عليها في حاجات اُخرى .
و لقد أبهَمَ النصُّ القصصي من جانب تفصيلات هذه الرحلة التي يقوم بها موسى . . . كما أبهَمَ أهدافَها مُكتفياً من ذلك بالإشارة إلى أنّه مُسافرٌ فحسب . ثمّ أبرَزَ من بيئة السفر بعضَ عناصرها ، و منها : العصا .
و حتّى العصا أبرز بعضاً من وظائفها . . . و أَبهَمَ البعضَ الآخر ، حيث أبرَزَ مهمَّتها في التوكّؤ عليها مشياً ، و في الخبط بها ورقَ الشجر لترعاه الغنم . . . ثمّ أبهَمَ النصُّ وظائف العصا الاُخرى ، و لَمّها في فقرة مُركّزة هي : ﴿مآربُ اُخرى﴾ يحقّقها موسى من هذه العصا .
و هكذا سائر مفردات البيئة الاُخرى التي أبرز النصُّ القصصي بعضَ تفصيلاتها من جانب و حذف البعض منها من جانب آخر ، ثمّ أبهَمَ البعض منها من جانب ثالث .
و ممّا لا شك فيه أنّ لكلّ إبهام أو اختزال أو حذف من هذه العناصر سبباً فنّياً يستهدفه النصُّ القصصي ، يستطيع المتلقّي بأدنى تأمّل أن يستكشف ذلك إذا توفّرت لديه ذائقةٌ فنّية في حقل الأدب القصصي أو مطلق الأعمال الأدبيّة التي تتطلّب توفّر مثل هذه الذائقة الفنّية ، حتّى يتحسّس المتلقّي خطورة هذه الأعمال ، و ما تستبطنه من أهداف فكريّة يتضخّم تأثيرها ـ دون أدنى شك ـ من خلال لُغة الفنّ
avatar
Admin
Admin

المساهمات : 51
تاريخ التسجيل : 04/04/2011
العمر : 31
الموقع : الجزائر

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى